قريش توسط أبا طالب :
.
لمّا أظهر رسول الله ص الدعوة ، ورأت قريش أن عمه أبا طالب يحدب عليه ، ويحتضنه ويحميه ، توجهت شطره ، وهي تعتقد أن أبا طالب مثل ما هي عليه من خلاف مع النبي ص .
وكان أبو طالب آنذاك زعيم بني هاشم ورئيسهم المطلق ، لذلك حضر سادة قريش بصورة جماعية ، فدخلوا على أبي طالب ، وقالوا : «أنت شيخنا وكبيرنا ، وقد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك ، فإنّه آذانا ، وسفه أحلامنا ، وشتم آلهتنا ، وعاب ديننا ، وضلل آباءنا ، وأفسد شبابنا ، وفرق جماعتنا ؛ فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فادعه ومره ، فليكف عن آلهتنا ، ونكف عن إلهه ! فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم ، جمعنا له مالا حتى يكون أغنى رجل في قريش ونملكه علينا! .
ولكن أبا طالب قال لهم قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا حكيمًا ، فانصرفوا عنه ، ثم عاودوا الكرّة عليه ، وحضروا عنده مهددين هذه المرة ، فقالوا له أجمع : «يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا ، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنّا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين» .
فأدرك حامي الرسول الوحيد ، بذكائه وفطنته ، أنه يتوجب عليه أن يصبر أمام جماعة ترى وجودها ومصالحها في خطر . من هنا، عمد إلى مسالمتهم وملاطفتهم ، ووعد بأن يبلغ ابن أخيه محمدًا كلامهم . وقد كانت هذه محاولة من أبي طالب لتسكين غضب تلك الجماعة الغاضبة وإطفاء ثائرتهم ، وتهدئة خواطرهم ، لتتم معالجة هذه المشكلة بعد ذلك بطريقة أصح وأفضل . ثم بعث إلى رسول الله ص : فدعاه . حضر رسول الله ص ودخل ، وقال : «السلام على من اتبع الهدى» ، ثم جلس . فأخبره أبو طالب بما جاؤوا به .
وقال : «يا ابن أخي! إنّ هؤلاء قومك يسألونك» ، فقال : «ماذا يسألونني؟» قالوا : «دعنا وآلهتنا ندعك وإليك!» ، فاستعبر رسول الله ص ، وقال : «والله ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ، ما تركته حتى ينفذه الله أو أمضي دونه (ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه) ! ولكن هل لهم في كلمة خير لهم من هذا يعطونني كلمة يسودون بها العرب ويطؤون أعناقهم ، ويدين لهم بها العجم ، ويكونون ملوكا في الجنة؟»
فقال لهم أبو طالب ذلك ، فقال أبو جهل : «نعم ! لله أبوك ! نعطيك ذلك وعشر كلمات !
وما هذه الكلمة؟» ، فقال لهم رسول الله ص : «تشهدون أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله» .
فوضعوا أصابعهم في آذانهم ، وخرجوا وهم يقولون : «تدع ثلاثمئة وستين إلها ، ونعبد إلها واحدًا؟ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ، إن هذا إلا اختلاق» .
وقال عقبة بن أبي معيط الأموي : «اثبتوا على عبادة آلهتكم ، واصبروا على دينكم وتحمّلوا المشاق لأجله ، فإنّ هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد أمر يراد بنا من زوال نعمة أو نزول شدّة» .
وأقبل أبو طالب ، بعد خروج تلك الجماعة من عنده ، على رسول الله ص وقال : امض لأمرك ، فوالله ، لا أخذلك أبدًا».
فعاودت قريش الكرّة ثالثة متبعة طريقا ملتويا ، فمشوا إلى أبي طالب بعمارة بن الوليد بن المغيرة ، وقالوا له : «يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ، واتّخذه ولدا فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي فرّق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم فنقتله ، فإنما هو رجل برجل !!» .
فكشف أبو طالب مكرهم هذا ، وقال : «والله ، لبئس ما تسومونني؟ أتعطوني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدًا» .
ثم اتخذ أبو طالب قرارا دفاعيًا استعدادًا للاحتمالات الخطرة ، فأمر بني هاشم بحماية النبي ص .
وهنا توتر الوضع العام في داخل مكة ، فهابت قريش وحدة موقف بني هاشم ، ولم تشأ تصعيد الموقف ضدهم لما سوف يجره ذلك من توسيع رقعة الخلاف ليشمل حلف المطيبين وحلف عبد المطلب مع خزاعة ، فآثرت اتباع طرق أخرى ؛ كالضغط على النبي ص نفسه بمحاولة إهانته والإساءة إليه شخصيًا ؛ كإلقاء التراب على رأسه، أو إلقاء سلا جزور وفرثه عليه وهو قائم يصلي ، ولكن أبا طالب كان لهم بالمرصاد ، فيأتي غاضبا ، ويأمر حمز ة، فيمرّر السلا على سبالهم جميعا ، وقد ألقى الله الرعب في قلوبهم .
.
المصدر : كتاب السيرة النبوية المباركة
.
لمّا أظهر رسول الله ص الدعوة ، ورأت قريش أن عمه أبا طالب يحدب عليه ، ويحتضنه ويحميه ، توجهت شطره ، وهي تعتقد أن أبا طالب مثل ما هي عليه من خلاف مع النبي ص .
وكان أبو طالب آنذاك زعيم بني هاشم ورئيسهم المطلق ، لذلك حضر سادة قريش بصورة جماعية ، فدخلوا على أبي طالب ، وقالوا : «أنت شيخنا وكبيرنا ، وقد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك ، فإنّه آذانا ، وسفه أحلامنا ، وشتم آلهتنا ، وعاب ديننا ، وضلل آباءنا ، وأفسد شبابنا ، وفرق جماعتنا ؛ فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فادعه ومره ، فليكف عن آلهتنا ، ونكف عن إلهه ! فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم ، جمعنا له مالا حتى يكون أغنى رجل في قريش ونملكه علينا! .
ولكن أبا طالب قال لهم قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا حكيمًا ، فانصرفوا عنه ، ثم عاودوا الكرّة عليه ، وحضروا عنده مهددين هذه المرة ، فقالوا له أجمع : «يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا ، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنّا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين» .
فأدرك حامي الرسول الوحيد ، بذكائه وفطنته ، أنه يتوجب عليه أن يصبر أمام جماعة ترى وجودها ومصالحها في خطر . من هنا، عمد إلى مسالمتهم وملاطفتهم ، ووعد بأن يبلغ ابن أخيه محمدًا كلامهم . وقد كانت هذه محاولة من أبي طالب لتسكين غضب تلك الجماعة الغاضبة وإطفاء ثائرتهم ، وتهدئة خواطرهم ، لتتم معالجة هذه المشكلة بعد ذلك بطريقة أصح وأفضل . ثم بعث إلى رسول الله ص : فدعاه . حضر رسول الله ص ودخل ، وقال : «السلام على من اتبع الهدى» ، ثم جلس . فأخبره أبو طالب بما جاؤوا به .
وقال : «يا ابن أخي! إنّ هؤلاء قومك يسألونك» ، فقال : «ماذا يسألونني؟» قالوا : «دعنا وآلهتنا ندعك وإليك!» ، فاستعبر رسول الله ص ، وقال : «والله ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ، ما تركته حتى ينفذه الله أو أمضي دونه (ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه) ! ولكن هل لهم في كلمة خير لهم من هذا يعطونني كلمة يسودون بها العرب ويطؤون أعناقهم ، ويدين لهم بها العجم ، ويكونون ملوكا في الجنة؟»
فقال لهم أبو طالب ذلك ، فقال أبو جهل : «نعم ! لله أبوك ! نعطيك ذلك وعشر كلمات !
وما هذه الكلمة؟» ، فقال لهم رسول الله ص : «تشهدون أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله» .
فوضعوا أصابعهم في آذانهم ، وخرجوا وهم يقولون : «تدع ثلاثمئة وستين إلها ، ونعبد إلها واحدًا؟ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ، إن هذا إلا اختلاق» .
وقال عقبة بن أبي معيط الأموي : «اثبتوا على عبادة آلهتكم ، واصبروا على دينكم وتحمّلوا المشاق لأجله ، فإنّ هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد أمر يراد بنا من زوال نعمة أو نزول شدّة» .
وأقبل أبو طالب ، بعد خروج تلك الجماعة من عنده ، على رسول الله ص وقال : امض لأمرك ، فوالله ، لا أخذلك أبدًا».
فعاودت قريش الكرّة ثالثة متبعة طريقا ملتويا ، فمشوا إلى أبي طالب بعمارة بن الوليد بن المغيرة ، وقالوا له : «يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ، واتّخذه ولدا فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي فرّق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم فنقتله ، فإنما هو رجل برجل !!» .
فكشف أبو طالب مكرهم هذا ، وقال : «والله ، لبئس ما تسومونني؟ أتعطوني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدًا» .
ثم اتخذ أبو طالب قرارا دفاعيًا استعدادًا للاحتمالات الخطرة ، فأمر بني هاشم بحماية النبي ص .
وهنا توتر الوضع العام في داخل مكة ، فهابت قريش وحدة موقف بني هاشم ، ولم تشأ تصعيد الموقف ضدهم لما سوف يجره ذلك من توسيع رقعة الخلاف ليشمل حلف المطيبين وحلف عبد المطلب مع خزاعة ، فآثرت اتباع طرق أخرى ؛ كالضغط على النبي ص نفسه بمحاولة إهانته والإساءة إليه شخصيًا ؛ كإلقاء التراب على رأسه، أو إلقاء سلا جزور وفرثه عليه وهو قائم يصلي ، ولكن أبا طالب كان لهم بالمرصاد ، فيأتي غاضبا ، ويأمر حمز ة، فيمرّر السلا على سبالهم جميعا ، وقد ألقى الله الرعب في قلوبهم .
.
المصدر : كتاب السيرة النبوية المباركة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق